محمد متولي الشعراوي
10308
تفسير الشعراوي
أولاً ، فاختار أن يكون مُسيّراً من البداية ، وأراح نفسه ، كما قال سبحانه : { إِنَّا عَرَضْنَا الأمانة عَلَى السماوات والأرض والجبال فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا } [ الأحزاب : 72 ] . وتصدير الآية الكريمة ب ( إنما ) يدل على أنها سبقها مقابل ، هذا المقابل على النقيض لما يجيء بعدها ، فالمنافقون أعرضوا وردُّوا حكم الله ورسوله ، والمؤمنون قالوا سمعنا وأطعنا ، كما تقول : فلان كسول إنما أخوه مُجِدٌّ . فقول المنافقين أنهم لا يقبلون حكم الله ورسوله ، أمّا المؤمنون فيقبلون حكْم الله ورسوله . ومعنى { سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا } [ النور : 51 ] يعني : سمعنا سمعاً واعياً يليه إجابة وطاعة ، لا مجرد أنْ يصل الصوت إلى أذن السامع دون أن يُؤثر فيه شيء . ويقول تعالى في موضع آخر : { وَإِذَا سَمِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَى الرسول ترى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدمع مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ الحق } [ المائدة : 83 ] . فالسمع له وظيفة ، وهو هنا بمعنى : أجَبْنا يا رب ، وصممنا على الإجابة ، وهذا وعد كلامي يتبعه تنفيذ وطاعة . مثل قولنا في الصلاة : سمع الله لمن حمده ، يعني : أجاب الله مَنْ حمده . { وأولئك هُمُ المفلحون } [ النور : 51 ] المفلحون : الفائزون الذين بلغوا درجة الفلاح ، ومن العجيب أن يستخدم الحق سبحانه كلمة الفلاح ، وهي من فلاحة الأرض ؛ لأن الفلاحة في الأرض هي أصل الاقتيات ، وكل مَنْ أتقن فلاحة أرضه جاءت عليه بالثمرة الطيبة ، وزاد خيره ، وتضاعف محصوله ، حتى إن حبة القمح تعطي سبعمائة حبة ، فإذا كانت الأرض وهي مخلوقة لله تعالى تعطي من يزرعها كل